السعيد شنوقة
372
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
لذا جعلوا آيات كثيرة ينصرف فيها معنى الهدى والإضلال إلى معنى الخلق والإيجاد مثل : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] . وقوله : د إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] وقوله : د فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] وقوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ الأعراف : 178 ] ولا يمنع هذا وجود معان أخرى للهداية مثل الإرشاد المتعلق بالمؤمنين فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ( 4 ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [ محمد : 4 ، 5 ] أو الدعوة كقوله عز وجل : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] . إن فعل الإنسان عند المعتزلة هو بحد ذاته قدر لأنه تحقيق عملي لأثر معين ، وهذا التحقيق العملي إحداث لا ينفصل عندهم عن عملية الخلق والتقدير وذلك لاستناده إلى إرادة الفاعل واختياره وقدرته « 1 » رغم إجماع غيرهم من أهل السنة على أن الله تعالى مالك كل مخلوق ورب كل محدث « 2 » ، فلا تتعلق صحة الفعل بالفاعل عند المعتزلة إلا لأن هذا الفاعل قادر على إخراجه من العدم إلى الكون بسبب منه « 3 » . ولما كان الإنسان الفاعل عاقلا مفكرا فإنه يمتنع في الحقيقة أن يوجد أي فكر نظري لا يستتبع عملا معينا إن لم يكن هو نفسه هذا العمل ، فحين تزول الموانع وتكتمل الدواعي يحدث الفعل بالقدرة ، وحين تكتمل المعرفة العقلية والبلوغ تكتمل معها القدرة على خلق الأفعال عندهم وعلى صفاتها الذاتية . لقد علق المعتزلة السببية في الأفعال الإنسانية بذات الإنسان أي أنهم عدّوا الإنسان ذاتا فاعلة معتبرين إياها سببا يوجب وقوع المسببات عنه على سبيل
--> ( 1 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص 79 . ( 2 ) م ن ، ص 82 . ( 3 ) قال عبد الجبار المعتزلي : " الذي يدل على أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا ودواعينا ( . . ) كونه موقوفا على دواعينا ويقع بحسبها ، وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها فقد تقف على قصودنا أيضا وعلى آلاتنا وعلى الأسباب الموجودة من قبلنا " : شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 33 ، وانظر ج 1 ، ص 11 .